ابن ملقن
57
طبقات الأولياء
فإذا به جالس في التنور لم يحترق منه شعرة « 1 » . وروى : عن سعيد بن عبد العزيز الحلبي ، قال : أحسن ما سمعت عنه ، أنه جاءه مولود ، ولم يكن له شيء في الدنيا ، فقال لتلميذ له : قد جاءنا البارحة مولود ! خذلنا دقيقا ! . فتعجب تلميذه من ذلك . وكان بعض التجار قد وجه متاعا إلى مصر ، فنوى : إن سلم فلأحمد مائتا درهم ، فسلم المتاع ، فدفعها إلى غلامه ، وقال : أخبر أحمد بذلك ، ففرح تلميذه لذلك ، ثم جاء رجل وقال : يا أحمد ! جاءني البارحة ولد ! أعندك من الدنيا شيء ؟ . فرفع رأسه إلى السماء وقال : يا مولاي ! هكذا بالعجل ؟ ! ودفع الدراهم إليه ، ثم قال لتلميذه : قم - ويحك جئنا بالدقيق ! . وجاءه رجل مرة أخرى ، فقال : ولد لي الليلة غلام ، وما عندنا شيء ننفقه ! فقال : أصبحت لا أملك سوى هذين القميصين ! . فخذ أحدهما . فنظر أيهما أجدّ ، فقال : السفلانى أجد ، وهو يبلغ لك ثمنا جيدا . ثم تنحّى فنزعه ولبس الفوقاني ، ومضى الرجل . وخرج أحمد من باب جيرون « 2 » ، فلما صار على المدرج لقيه رجل فسلم عليه ، وقال له : عمير بن جوصاء يسلم عليك ويقول : هذه ثلاثون دينارا ، انتفع بها ! . فقال أحمد : أعطيت قميصا فوجه إلىّ بثلاثين دينارا ! . ما هذه الغفلة ؟ ! ثم صرخ صرخة عظيمة ورمى بنفسه ، ولو لم يمسك لتهشم وجهه . ولأحمد ولد اسمه عبد اللّه ، وكنيته أبو محمد . وكان زاهدا ورعا ، عالما بالحديث ، حدث عن أبيه ، وصار من الأعيان . مات سنة خمس وثلاثمائة . ولأحمد أخ اسمه محمد كان أكبر منه . من قدماء المشايخ ، صحب الفضيل ، وروى عنه أخوه .
--> ( 1 ) لا يجوز في الإسلام أن يعقد الإنسان بينه وبين آخر عقدا يلتزم فيه عدم المخالفة بصورة دائمة ، فقد قال رسول اللّه : « إنما الطاعة في المعروف » . ( 2 ) باب جيرون : موضع بدمشق . انظر : الروض المعطار ( 238 ، 239 ) .